ابن تيمية
62
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
ورسوله من الجهاد . وأبو حنيفة أباح السبق بالمحلل ، كما يبيحه في سباق الخيل بناء على أن العمل بنفسه مباح ، والسبق عنده من الجعالة ، والجعالة تجوز على العمل المباح . والذي قاله هو القياس ، ولو كان السبق من جنس الجعالة فإن الناس قد تنازعوا في جواز الجعالة ، وأبطلها طائفة من الظاهرية . والصواب الذي عليه الجمهور جوازها ، وليست عقدًا لازمًا ؛ لأن العمل فيها معلوم . ولهذا يجوز أن يجعل للطبيب جعلاً على الشفاء ، كما جعل سيد الحي اللديغ لأصحاب - النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رقاه أبو سعيد الخدري . ولا يجوز أن يستأجر الطبيب على الشفاء ، لأنه غير مقدور عليه . ومن هنا يظهر فقه « باب السبق » فإن كثيرًا من العلماء اعتقدوا أن السبق إذا كان من الجانبين وليس بينهما محلل كان هذا من الميسر المحرم ، وأنه قمار ؛ لأن كلاً منهما متردد بين أن يغرم أو يغنم ، وما كان كذلك فهو قمار . واعتقدوا أن القمار المحرم إنما حرم لما فيه من المخاطرة والتغرير ، وظنوا أن الله حرم الميسر لذلك ، وهذا موجود في المتسابقين إذا أخرج كل منهما السبق ، فحرموا ذلك . وروي في ذلك حديث ظنه بعضهم صحيحًا ؛ وهو قوله : « من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار ، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار » ومعلوم أن هذا الحديث ليس من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بل هو من كلام سعيد بن المسيب ، هكذا رواه الثقاة ، ورفعه سفيان بن حسين الواسطي وهو ضعيف . ثم الذين اعتقدوا أن هذه المسابقة بلا محلل قمار تنازعوا بعد ذلك فمنهم من لم يجوز العوض بحال . ومنهم من جوزه من أحدهما بشرط ألا يرجع إليه بل يعطيه الجماعة إن غلب . وروي ذلك عن مالك وغيره ، وهو أصح .